الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

386

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

2 التفسير 3 من هم المنتصرون ؟ حدثتنا الآيات السابقة عن المهاجرين في سبيل الله ، وما وعدهم الله من رزق حسن يوم القيامة . ومن أجل ألا يتصور المرء أن الوعد الإلهي يختص بالآخرة فحسب ، تحدثت الآية - موضع البحث - في مطلعها عن انتصارهم في ظل الرحمة الإلهية في هذا العالم : ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إشارة إلى أن الدفاع عن النفس ومجابهة الظلم حق طبيعي لكل إنسان . وعبارة " بمثل " تأكيد لحقيقة أن الدفاع لا يجوز له أن يتعدى حدوده . عبارة ثم بغي عليه هي أيضا إشارة إلى وعد الله بالانتصار لمن يظلم خلال الدفاع عن نفسه ، وعلى هذا فالساكت عن الحق والذي يقبل الظلم ويرضخ له ، لم يعده الله بالنصر ، فوعد الله بالنصر يخص الذين يدافعون عن أنفسهم ويجابهون الظالمين والجائرين ، فهم يستعدون بكل ما لديهم من قوة لمجابهة هذا الظلم . ويجب أن تمتزج الرحمة والسماح بالقصاص والعقاب لتكسب النادمين والتائبين إلى الله ، حيث تنتهي الآية ب‍ إن الله لعفو غفور . وتطابق هذه الآية آية القصاص حيث منحت ولي القتيل حق القصاص من جهة وأفهمته أن العفو فضيلة ( للجديرين بها ) من جهة أخرى . وبما أن الوعد بالنصر الذي يقوي القلب لابد وأن يصدر من مقتدر على ذلك . لهذا تستعرض الآية قدرة الله في عالم الوجود التي لا تنتهي ، فتقول : ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل فما أن يقل من أحدهما حتى يزداد في الآخر وفق نظام مدروس . كلمة " يولج " مشتقة من " الإيلاج " وهو في الأصل من الولوج أي الدخول . وهذه العبارة - كما قلنا - تشير إلى التغييرات التدريجية المنظمة تنظيما تاما ،